ابن الجوزي

23

صيد الخاطر

- 27 - كان الوزير ابن يونس الحنبلي قد عقد مجلسا للركن عبد السلام بن عبد القادر الجيلي « 1 » ، وأحرقت كتبه ، وكان فيها من الزندقة وعبادة النجوم ، ورأي الأوائل شيء كثير ، وذلك بمحضر من ابن الجوزي وغيره من العلماء ، وانتزع الوزير منه مدرسة جدّه وسلّمها إلى ابن الجوزي . فلما ولي الوزارة ابن القصاب - وكان رافضيا خبيثا - سعى في القبض على ابن يونس ، وتتبّع أصحابه ، فقال له الركن : أين أنت عن ابن الجوزي ؟ فإنه ناصبي ومن أولاد أبي بكر ، فهو من أكبر أصحاب ابن يونس ، وأعطاه مدرسة جدي ، وأحرقت كتبي بمشورته . فكتب ابن القصاب إلى الخليفة الناصر ، وكان الناصر له ميل إلى الشيعة ، ولم يكن له ميل آخر أيامه إلى الشيخ أبي الفرج ، بل قد قيل إنه كان يقصد أذاه ، وقيل إن الشيخ ربما كان يعرض في مجالسه بذم الناصر ، فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السلام فجاء إلى دار الشيخ وشتمه وأغلظ عليه ، وختم على كتبه وداره ، وشتّت عياله . فلما كان في أول الليل ، حمل في سفينة وليس معه الا عدوّه الركن ، وعلى الشيخ غلالة بلا سراويل ، وعلى رأسه تخفيفة ، فأحدر إلى واسط ، وكان ناظرها شيعيا فقال له الركن : مكني من عدوّي لأرميه في المطمورة ، فزبره ، فقال : يا زنديق أرميه بقولك ؟ هات خط الخليفة ، واللّه ، لو كان من أهل مذهبي لبذلت روحي ، ومالي ، في خدمته ، فعاد الركن إلى بغداد . قال ابن القادسي : لما حضروا واسط جمع الناس ، وادعى ابن عبد القادر على الشيخ أنه تصرف في وقف المدرسة ، واقتطع من مالها كذا وكذا ، وكذب فيما ادعاه ، وأنكر الشيخ وصدق وبرّ ، وأفرد للشيخ دار بدرب الديوان ، وأفرد له من يخدمه . وبقي الشيخ محبوسا بواسط في دار بدرب الديوان ، وعلى بابها بواب ، وكان بعض الناس يدخلون عليه ، ويستمعون منه ، ويملي عليهم ، وكان يرسل أشعارا كثيرة إلى بغداد .

--> ( 1 ) هو عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلاني .